محمد راغب الطباخ الحلبي
364
إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء
ثم استدعاه الوزير الفاضل لما بلغه فضله ، فانحاز إليه واشتد اختصاصه به وحل منه محل الواسطة من العقد ، فسير فيه قصائد فائقة وأنشدني منها جلها فلم يعلق في خاطري منها إلا قوله من قصيدة حسنة التركيب وذلك محل التخلص منها : ولرب يوم قد تلفعت الضحى * منه بثوبي قسطل وغمام حسرت قناع النقع عنه عصبة * غبر الوجوه مضيئة الأحلام متجردين إلى النزال كأنما * يتجردون لواجب الإحرام لا يأنسون بغير أطراف القنا * كالأسد تألف مربض الآجام يسري بهم نجمان في ليل الوغى * رأي الوزير وراية الإسلام ثم ترقى عنده في المنزلة حتى استدعاه إليه وصيره نديم مجلسه الخاص ، فحسده حواشي الوزير ، ودخل إليه أحدهم في زي ناصح يقول له : إن حال الدولة في تقلباتها ليس بالخفي ، وقد أمكنت الفرصة ، فإذا طلبت قضاء نلت ما طلبته على الفور . فانساغ لهذا القول ووقعت منه هفوة الطلب والإلحاح ، فانحرف الوزير عليه وظن أنه سئم من مجلسه ، فوجه إليه قضاء ديار بكر استقلالا ، فتوجه إليه ، وكان مع خبرته وتجربته للأمور سيىء التدبير ، فانزوى عن الاجتماع بأحد وفوض أمر القضاء لرجل من أتباعه ، فتجاوز الحد في أخذ مال الناس رشوة ، ولم يمكنهم عرض ذلك على السيد صاحب الترجمة ، فشكوا أمرهم إلى جانب السلطنة فعزلوه ، وانخفض قدره وأقام مدة طامعا في أن يحصل على غرض من أغراضه فما قدر له . واستمر بالروم نحو خمسة أعوام منزويا ، واجتمعت به أيام انزوائه بقسطنطينية ومدحته بقصيدة طويلة مطلعها : بدا فأراك الغصن والشادن الخشفا * بديع جمال جاوز النعت والوصفا أغنّ يكاد الظبي يحكي التفاته * وتختلس الصهباء من جسمه لطفا إذا طرفت منه العيون بلمحة * فأيسر شيء منه ما ينهب الطرفا تروح به الألباب نهب هجيره * وما عفرت خدا ولا انتشقت عرفا سقى عهده بالسفح حلة هاطل * إن المزن لم يطو الزمان له سجفا أوان توافينا نشاوى من الصبا * ولم يبق منا الوجد إلا هوى يخفى تحجبنا الظلماء حتى كأننا * رعينا لها من كل مكرمة صنفا وبات يحييني بممزوجة الطلا * فإني قد آليت لاذقتها صرفا